✍️ كتب الأستاذ ناصر الحروب…
💥 تُجّار الدم!!
ما يحدث ليس خللاً في السوق، ولا ثغرة رقابية، ولا "تجاوزاً فردياً".
ما يحدث جريمة واعية تُرتكب يومياً بحق الناس، اسمها تجارة الغذاء الفاسد، وحقيقتها بيع المرض والموت المؤجَّل تحت لافتة الربح. من يضع طعاماً فاسداً على الرف يعرف ماذا يفعل، ويعرف لمن يبيعه، ويعرف أن الضحية لن تعود لتسأله:
من أين جاء الوجع؟
تُجّار الدم لا يُخطئون عن جهل.
هم يُخطّطون، ينتظرون، يُراهنون.
يُغيّرون تواريخ الصلاحية، يُغطّون العفن، يُعيدون تدوير السمّ، ثم يتحدّثون بوقاحة عن "رزق" و"شطارة". أيّ رزق هذا الذي يُبنى على أجساد الناس؟ وأيّ شطارة تقوم على معدة طفل، أو كبد أم، أو جسدٍ لا يملك ثمن العلاج؟ هذه ليست تجارة… هذه خيانة للإنسان.
الأخطر من الجريمة نفسها هو الاعتياد عليها.
حين نقرأ أخبار ضبط الأطنان الفاسدة بلا غضب، حين نمرّ عليها كخبرٍ عابر، حين نكتفي بجملة "الحمد لله انمسكت" ثم نعود إلى حياتنا، نكون قد تواطأنا بالصمت.
المشكلة ليست فيما كُشف فقط،
بل في حجم ما لم يُكشف بعد.
هنا تتحوّل الجريمة إلى فعلٍ جماعي:
تاجر يبيع، وسوق يصمت، ومجتمع يعتاد.
من يعبث بالغذاء أخطر من السارق، وأحقر من المحتكر، وأقرب إلى القاتل من التاجر.
لأن الغذاء ليس سلعة عادية، بل عقد ثقة بين الإنسان وما يدخل جسده. ومن خان هذا العقد سقط عنه كل ادّعاء بالدين، وبالأخلاق، وبالوطنية. لا تُجمّلوا الجريمة بكلمات قانونية باردة، ولا تختبئوا خلف إجراءات شكلية؛ سمّوا الأشياء بأسمائها:
هذه تجارة دم.
هذا النص ليس شكوى، ولا نداء شفقة، بل إعلان تمرّد أخلاقي. تمرّد على ثقافة "ماشي الحال"، على تسطيح الجريمة، وعلى محاولة تطبيع السمّ في الطعام. نريد تجريماً مجتمعياً قبل أي إجراء آخر، نريد فضحاً بلا مواربة، نريد سوقاً يخاف لأن الضمير حي، ولأن المجتمع قرّر أن يحمي طعامه كما يحمي حياته.
لأن المجتمع الذي لا يحمي غذاءه،
لا يحمي نفسه.
الغذاء خطّ أحمر أخلاقي.
ومن يتجاوزه، سقط عنه كل ادّعاء بالدين، بالوطنية، وبالإنسانية.
تُجّار الدم، قَتَلَة… ولو تأخّر الموت.
0 تعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة بعد.
أضف تعليق