✍️ كتب الأستاذ ناصر الحروب...
💥 قيادة عربة يد على الرصيف… قراءة قانونية في تعارض النص وتقدّم القانون!!
لا تُقاس قوة التشريعات المرورية بعدد موادها، بل بوضوح نصوصها، وانسجامها الداخلي، واحترامها لهرمية التشريع. وحين يظهر اختلاف بين نص قانوني ونص تنظيمي، فإن السؤال لا يكون: أيهما أسهل تطبيقاً؟ بل: أيهما أصدق تعبيراً عن إرادة المشرّع وأصح قانوناً؟
من هذا المنطلق، تبرز مسألة سير عربة اليد على الرصيف كنموذج دقيق يستحق التحليل، لما تحمله من تعارض واضح بين قانون المرور الفلسطيني رقم (5) لسنة 2000 واللائحة التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (393) لسنة 2005، وتحديداً المادة (262) الفقرة (5) منها.
أولاً: النص القانوني وسقف الإباحة
نصّ قانون المرور الفلسطيني في المادة (72) الفقرة (3) صراحة على أنه:
«يسمح بقيادة عربة يد على الرصيف إذا كان عرضها لا يزيد عن 80 سم، ولا تسبب إعاقة للمشاة».
ويتميز هذا النص بـ:
• سقفاً رقمياً واضحاً (80 سم) لا يحتمل التأويل.
• شرط جوهري وهو عدم إعاقة المشاة.
• فلسفة حماية صريحة للرصيف باعتباره فضاءً مخصصاً للمشاة، لا يُزاحم إلا بضوابط ضيقة.
القانون هنا لم يترك المجال مفتوحاً للاجتهاد الإداري، ولم يمنح سلطة تقديرية مطلقة، بل رسم حداً فاصلاً بين الإباحة والمخالفة.
ثانياً: النص التنفيذي واتساع التنظيم
جاءت اللائحة التنفيذية، وتحديداً المادة (262) الفقرة (5)، بنص مفاده:
«يسمح بقيادة عربة يد على الرصيف إذا كان عرضها لا يزيد على 100 سم، ولم يكن في ذلك ما يعيق حركة المرور».
ويلاحظ على هذا النص:
• رفع الحد الأقصى من 80 سم إلى 100 سم.
• تبديل معيار الحماية من "عدم إعاقة المشاة" إلى "عدم إعاقة حركة المرور".
• إدخال مفهوم تنظيمي أوسع يفتح باب التقدير الإداري.
وهذا التوسّع، وإن ورد في إطار تنظيمي، يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى التزام اللائحة بحدود التفويض التشريعي.
ثالثاً: هرمية التشريع وحدود اللائحة
• اللائحة التنفيذية لا يجوز لها إنشاء حكم جديد، ولا تعديل أو تعطيل حكم ورد في القانون.
• وظيفتها تقتصر على تنظيم آليات التنفيذ لا إعادة صياغة الإرادة التشريعية.
وبالعودة إلى النصين:
• القانون حدّد رقماً واضحاً وسقفاً ملزماً.
• اللائحة تجاوزت هذا السقف دون تفويض صريح من المشرّع.
وعليه، فإن هذا التباين يُعد تعارضاً موضوعياً، ويُرجّح فيه كفة النص الأعلى مرتبة، أي نص القانون.
رابعاً: اختلاف الفلسفة لا الأرقام فقط
الاختلاف بين النصين ليس رقمياً فقط، بل فلسفياً:
• القانون ينطلق من حماية الطرف الأضعف في الطريق: المشاة.
• اللائحة تنتقل إلى مفهوم عام هو حركة المرور.
والرصيف:
• ليس جزءاً من الطريق المخصص للمركبات،
• ولا ميداناً لتنظيم حركة المرور،
• بل مساحة أمان للمشاة أولاً وأخيراً.
تغيير معيار الحماية يعد انحرافاً عن الغاية الأصلية التي من أجلها شُرّع النص القانوني.
خامساً: التطبيق العملي وأثر التعارض
• في التطبيق العملي، قد تستند بعض الجهات إلى نص اللائحة، بينما يتمسّك المواطن أو المحامي بنص القانون.
• يُطبَّق نص القانون باعتباره الأصل.
• وتُفسَّر اللائحة تفسيراً ضيقاً لا يتجاوز القانون.
• أي إجراء إداري يُجيز عرضاً يتجاوز 80 سم استناداً إلى اللائحة وحدها يبقى قابلاً للطعن.
سادساً: الحاجة إلى الحسم التشريعي
هذا التباين لا يُعالج بالممارسة اليومية، ولا بالاجتهاد الإداري، بل بأحد مسارين:
1- تعديل تشريعي صريح لقانون المرور يرفع الحد المنصوص عليه.
2- تعديل اللائحة التنفيذية لتخفيض الحد الأعلى فيها بما يتوافق مع القانون (80 سم)، وضمان انسجامها التام مع النص التشريعي.
أما ترك المسألة دون حسم، فيفتح الباب لتفاوت القرارات، ويضعف الثقة بالنص القانوني.
خاتمة:
حين يختلف النص، لا يكون الاحتكام للأسهل، بل للأصح قانوناً.
وسير عربة اليد على الرصيف ليس تفصيلاً هامشياً، بل اختبار حقيقي لاحترام:
• هرمية التشريع،
• فلسفة الحماية،
• وحق المشاة في فضائهم الآمن.
والمقصود بهرمية التشريع أن يُحتكم إلى القانون أولاً بوصفه النص الأعلى إلزاماً، على أن تأتي اللائحة التنفيذية في مرتبة لاحقة، فلا تُطاع إلا بقدر انسجامها مع القانون وعدم تعارضها معه.
فالقانون يُفسَّر… ولا يُلتف عليه.
0 تعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة بعد.
أضف تعليق