✍️ كتب: ناصر الحروب...
▪️ زاوية التثقيف المروري في فلسطين:
💥 حين تُلغى الاستثناءات… يبدأ معنى الدولة!!
"الدولة لا تُختبر في النصوص… بل في الاستثناءات"
ليست المشكلة في قطاع النقل أن الشوارع مزدحمة،
ولا أن ساعات الذروة تخنق المدن،
ولا حتى أن البنية التحتية تعاني تحت ضغط الواقع السياسي والاقتصادي.
المشكلة أعمق.
المشكلة كانت – ولا تزال – في الاستثناء.
في جلسة المساءلة المجتمعية التي نظمها مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس"، بحضور وزير النقل والمواصلات الدكتور محمد الأحمد وممثلين عن المؤسسات الرسمية والمجتمعية، طُرحت عناوين كبيرة: الحوكمة، العدالة، السلامة المرورية، إصلاح التشريعات، والحق في تنقّل آمن وعادل.
لكن بين كل تلك العناوين، برزت جملة واحدة تستحق أن تُكتب بحبر ثقيل:
السعي إلى إلغاء الاستثناءات في منح التراخيص.
هذه ليست عبارة بروتوكولية.
هذه جملة سياسية بامتياز.
لأن الدولة لا تُختبر في النصوص… بل في الاستثناءات.
ولا تُقاس بهيبة قراراتها… بل بمدى عدالة تطبيقها.
الاستثناء ليس تسهيلاً إدارياً.
الاستثناء هو العطب الأخلاقي قبل أن يكون خللاً تنظيمياً.
هو الشق الصغير في جدار القانون، الذي يتسع بصمت حتى يتحول إلى باب خلفي لمن لا يريد أن يدخل من الباب العام.
قطاع النقل ليس مجرد رخص ولوحات ومخالفات.
إنه مرآة يومية لهيبة النظام العام.
حين يرى المواطن أن القانون يُطبّق عليه بدقة، بينما يُخفّف عن غيره بوساطة أو توصية أو اسم “معروف”، تنهار الثقة.
وحين تنهار الثقة… تبدأ الفوضى قبل أن تبدأ الحوادث.
الحديث عن الحوكمة جميل،
لكن الحوكمة ليست شعاراً أنيقاً يُرفع في القاعات.
الحوكمة تعني شفافية فعلية،
رقابة حقيقية،
مساءلة لا تستثني أحداً،
وقانوناً لا يعرف الأسماء ولا المواقع.
نحن لا نحتاج إلى تراكم قرارات…
نحتاج إلى إغلاق الأبواب الخلفية.
لا نحتاج شعارات عن “تنقّل آمن وعادل” إن لم يشعر السائق البسيط أن فرصته مساوية لفرصة أي صاحب نفوذ.
ولا نحتاج خططاً تنظيمية إن بقيت “السلطة التقديرية” بلا ضوابط واضحة تُغلق منافذ الاستنسابية.
البلديات تخطط،
المحافظات تنسق،
الشرطة تضبط المخالفات وتحلل البيانات،
والوزارة تراجع التشريعات…
جميل.
لكن كل هذه الجهود تفقد معناها إن بقي باب صغير مفتوح للاستثناء.
الدولة تبدأ حين يُغلق ذلك الباب.
إلغاء الاستثناءات ليس قراراً إدارياً فحسب؛
هو إعلان صريح بأن القانون فوق الجميع فعلاً لا قولاً.
وهو امتحان حقيقي لكل خطاب إصلاحي.
الازدحام يمكن تنظيمه.
النقاط السوداء يمكن معالجتها.
البنية التحتية يمكن تطويرها.
النقل العام يمكن تحديثه.
أما العدالة… فلا تُرمَّم إن انكسرت.
إن تحوّل وعد إلغاء الاستثناءات إلى ممارسة يومية،
فنحن أمام خطوة إصلاحية تعيد ترميم العقد الأخلاقي بين المواطن والمؤسسة.
خطوة تعني أن الرخصة تُمنح بالكفاءة،
والخط يُفتح بالاستحقاق،
والمخالفة تُحرر دون تمييز،
والمساءلة لا تتوقف عند اسم أو منصب.
تنقّل آمن وعادل لا يبدأ من الإسفلت.
يبدأ من العدالة.
والعدالة… لا تعرف استثناءً.
0 تعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة بعد.
أضف تعليق