STYLE SWITCHER

BODY SKIN


LAYOUT STYLE


SEPARATOR HOT

Select and scroll to see the changes
×

❗ التاريخ لا يُخلّد الأسماء الهادئة، بل أولئك الذين أزعجوا الصمت… ودفعوا ثمن ذلك علناً.

✍️ كتب الأستاذ ناصر الحروب...
💥 عيسى باسيل البندك
▪️حين تحوّلت الكلمة إلى اشتباك!

في زمنٍ لم تكن فيه المواجهة مقصورة على الجبهات العسكرية، بل كثيراً ما دارت رحاها فوق صفحات الصحف وأعواد المنابر، برز عيسى باسيل البندك كأحد أولئك الذين أدركوا مبكراً أن الكلمة قد تكون فعلاً سياسياً لا يقل تأثيراً عن أي شكل آخر من أشكال النضال.

لم يكن حضوره عابراً في المشهد الفلسطيني، بل جاء ممتداً ومتشعباً بين الصحافة، والعمل الوطني الحزبي، والإدارة المحلية، والتمثيل الدبلوماسي؛ في مرحلة تاريخية معقدة كانت فيها فلسطين تواجه ضغوط الانتداب البريطاني وتصاعد أطماع المشروع الصهيوني.

▪️ النشأة والبدايات: من بيت لحم إلى الإدارة العثمانية

ولد عيسى البندك في مدينة بيت لحم عام 1898 لعائلة مسيحية عريقة تميزت بحضورها الاجتماعي والثقافي. تلقى تعليمه الأولي في مدارس بيت لحم والقدس، في بيئة أسهمت في تشكيل وعيه المبكر تجاه قضايا مجتمعه ووطنه. ومع تطلعه لدراسة الطب في فرنسا، حالت ظروف اندلاع الحرب العالمية الأولى دون تحقيق هذه الرغبة، فاختار مساراً آخر لا يقل أثراً، حيث توجه لدراسة اللاسلكي والبرق.

وفي أواخر العهد العثماني، تولّى إدارة دوائر التلغراف في عددٍ من المراكز الحيوية ببلاد الشام، متنقلاً بين سوريا والأردن والقدس. وهو موقع حساس أتاح له الاطلاع المباشر على التحولات السياسية والإقليمية، ومنحه خبرة مبكرة في فهم موازين القوى؛ وهي خبرة انعكست لاحقاً في عمق أدائه السياسي والوطني.

▪️ تأسيس جريدة "صوت الشعب": الكلمة كأداة للمقاومة

مع بدايات عشرينيات القرن الماضي، نضج الوعي السياسي لعيسى البندك، فأدرك أن الصحافة ليست مجرد وسيلة إعلام، بل هي ساحة مواجهة حقيقية. لم تكن الكلمة عنده ترفاً، بل موقفاً... فترجم هذا الموقف إلى فعلٍ صحفيٍ وازن، تمثّل في تأسيس:

• مجلة بيت لحم (1919):
بدأ مشواره الصحفي بالشراكة مع حنا العيسى، حيث أطلق مجلة ذات طابع ثقافي وسياسي، أسهمت في رفع مستوى الوعي المحلي.

• جريدة صوت الشعب (1922):
في 11 مايو 1922، أصدر البندك جريدة "صوت الشعب" في بيت لحم، وتولى رئاسة تحريرها. ولم تقف هذه الجريدة عند حدود نقل الأخبار، بل تحولت إلى جبهة مواجهة مفتوحة ضد سياسات الانتداب البريطاني، وفضحت مخاطر التغلغل الصهيوني ومشاريع الاستيطان. تميزت بجرأتها الواثقة، مما جعلها عرضة للملاحقة والإغلاق المتكرر من سلطات الانتداب، حتى توقفت نهائياً عام 1957، بعد أن أدّت دورها التاريخي كأحد أبرز المنابر الوطنية الصلبة.

▪️ العمل الحزبي والوطني: مواقف دفعت ثمنها عائلته

انخرط البندك مبكراً في العمل الوطني، فكان ممثلاً لقضاء بيت لحم في "الجمعية الإسلامية المسيحية"، وعضواً في "اللجنة التنفيذية العربية" عام 1921، حيث شارك بفاعلية في صياغة الموقف الوطني الفلسطيني.

كما لعب دوراً بارزاً في الحراك الشبابي؛ حيث ترأس مؤتمر الشباب العربي الأول في يافا عام 1932، والذي تمخّض عن ميثاق قومي يرفض الاستعمار بجميع أشكاله ويدعو إلى الاستقلال.

وفي عام 1935، شارك في تأسيس حزب الإصلاح الفلسطيني بالتعاون مع الدكتور حسين الخالدي. ولم تكن مواقفه حبراً على ورق أو شعارات مستهلكة، بل دفع ثمنها من أمنه الشخصي؛ إذ تعرض في يوليو 1937 لمحاولة اغتيال غادرة إثر إطلاق النار الكثيف على منزله في بيت لحم، مما أسفر عن إصابة زوجته وابنته، في رسالة ترهيب واضحة لم تثنهِ عن مواصلة طريقه.

▪️ بلدية بيت لحم: قيادة في زمن الأزمات

حظي عيسى البندك بثقة أهالي بيت لحم، فانتُخب رئيساً لبلديتها خلال فترتين تاريخيتين مفصليتين:

1. الفترة الأولى (1933 - 1938): تزامنت مع اندلاع وتصاعد أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى، حيث واجه ضغوطاً سياسية وأمنية هائلة من سلطات الانتداب، وسعى جاداً للحفاظ على استقرار المدينة وحماية سكانها.

2. الفترة الثانية (1946 - 1951): وجاءت في أحلك الظروف وأخطر المراحل؛ حيث عاصر نكبة عام 1948. لم تكن البلدية حينها مؤسسة خدماتية تقليدية، بل تحولت إلى خط الدفاع الأخير عن بقاء المدينة وهويتها، فقاد البندك بنفسه جهود استيعاب آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا من ديارهم، وسهر على توفير الإغاثة والمأوى لهم بالتعاون مع المؤسسات الدولية.

▪️ العمل الدبلوماسي: الصوت الذي عبر الحدود

بعد النكبة، شارك البندك ضمن الوفد الأردني إلى الأمم المتحدة عام 1950، ناقلاً بأمانة صوت فلسطين وقضيتها العادلة إلى أروقة المحافل الدولية.

لاحقاً، عُيّن سفيراً في إسبانيا (1951 - 1954)، ثم انتقل ليمثل بلاده في تشيلي ودول أمريكا اللاتينية (1954 - 1957). وهناك، لم ينحصر دوره في النطاق البروتوكولي التقليدي، بل تحول إلى منبر حي للقضية، مستفيداً من الحضور الواسع للجاليات الفلسطينية والعربية في المغترب لحشد الدعم السياسي والمعنوي لحقوق شعبه السليبة.

▪️ الرحيل والإرث

بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، تعذر عليه العودة إلى ثرى وطنه، فعاش سنواته الأخيرة في تشيلي، حيث غَيّبه الموت في العاصمة سانتياغو عام 1984، بعيداً عن ربوع المدينة التي وهبها سنوات عمره.

ورغم الغياب الجغرافي وقسوة النفي، ظل اسمه راسخاً في وجدان الذاكرة الوطنية. وفي عام 2013، أصدرت مؤسسة "ديار للنشر" في بيت لحم كتاباً توثيقياً شاملاً من إعداد الباحث عدنان مسلم بعنوان: "عيسى باسيل بندك: حياته... أعماله... مذكراته 1898 - 1984"، ليكون شهادة حية على مسيرة رجل لم يكن مجرد شاهد على التاريخ، بل كان من الذين خَطّوا سطوره بمواقفهم، وسجّلوا أسماءهم بين صُنّاعه.

هكذا يُقاس الرجال…حين يُصبح الثبات موقفاً، لا خياراً.

#تاريخ_فلسطين #عيسى_البندك #الصحافة_الفلسطينية #أقلام_وطنية.

0 تعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة بعد.

أضف تعليق

⚠️ التعليق لن يظهر إلا بعد الموافقة.