❗الأمم التي تعيش بنصف ذاكرة، تولد دائماً بنصف عقل.
✍️ كتب الأستاذ ناصر الحروب...
💥 المسيحيون العرب.. حضور وحضارة!!
▪️من كتب العقل العربي فعلاً؟ صرخة في وجه الذاكرة المبتورة..
في زمنٍ انبطحت فيه الهويات في مستنقع الضيق والتمزق، وباتت فيه حضارتنا تُختزل قسراً في بُعدٍ أحاديّ مشوه، أصبح لزاماً علينا أن نطلقها صرخةً فكريةً مدوية تطرق جدران وعينا الخامل!
لقد فرغت للتو من قراءة كتاب "المسيحيون العرب حضور وحضارة"، ولم أخرج منه بمجرد انطباع عابر، بل بقناعة فكرية ثائرة تزلزل المسلّمات: إن هناك جزءاً جوهرياً ودماً أصيلاً في عروق ذاكرتنا الحضارية قد عُتم عليه عمداً، وحان الوقت لنكشف عنه الغطاء بإنصافٍ شجاع!
إن هذا الكتاب لا يقدم مادة معرفية فحسب، بل يمثل في حد ذاته معجزةً حية وتجسيداً صارخاً للتعايش الخلّاق؛ فالمؤلف باحث مسيحي قبطي عربي وهو المهندس عماد توماس، يقف جنباً إلى جنب مع قامات فكرية وأكاديمية مسلمة تولت التقديم والإشراف: الدكتور عماد أبو غازي (وزير الثقافة المصري الأسبق)، والدكتور محمد عفيفي (رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة).
يا له من مشهد مهيب! باحث قبطي ومؤرخان مسلمان ينسجون معاً راية الحقيقة، ليعلنوا للعالم صراحةً: الحضارة العربية عقل جمعي عابر للأديان والمذاهب، ولا عزاء لدعاة الإقصاء والتشرذم!
▪️شراكة وجودية لا استضافة عابرة!
يمضي بنا عماد توماس في قطار التاريخ عبر العصور الأموية، العباسية، الفاطمية، المملوكية، والعثمانية، وصولاً إلى تحولات الربيع العربي. وهنا نكتشف المفاجأة الصادمة للكثيرين: إن إسهام المسيحيين العرب لم يكن مجرد حضور هامشي، أو رتوش تزينية، بل كان شراكة وجودية في صياغة العقل والوجدان.
كيف ننسى العصر العباسي؟! حين تحولت حركة الترجمة بأيدي الأطباء والمترجمين والفلاسفة المسيحيين العرب إلى إعصار معرفي نقل علوم اليونان وفارس وصهرها في قالب عربي مبدع! لم يكونوا يوماً "ضيوفاً" ينتظرون الإذن بالكلام، بل كانوا مهندسي النهضة العلمية في الطب، والفلسفة، والمنطق. هم من صاغوا الوعي العلمي للحضارة التي نفاخر بها الأمم اليوم!
ولم يتوقف هذا المد الجارف، بل استمروا كأعمدة راسخة في دواوين الدولة، وإداراتها، وبنائها المؤسسي عبر مختلف العصور، ضامنين استقرار الكيان واستمراريته.
▪️ثورة لغوية وصحفية زلزلت الركود:
وإذا ما التفتنا إلى العصر الحديث، نصطدم بالحقيقة التي تكاد تقتلع جذور الجهل السائد: من أحيا لغتنا العربية الحديثة ونفض عنها غبار القرون؟ من أسس صحافتنا، وأدبنا، وفكرنا القومي، ومطابعنا، ومدارسنا؟ إنها أقلام مسيحية عربية مبدعة وعقول ثائرة قادت معركة التنوير في طليعة النهضة.
وهنا نصرخ بالحقيقة الساطعة في وجه كل من يحاول حجب الشمس بغربال الأوهام:
إن الحضارة العربية لم تُبنَ ولن تُبنى بدين واحد، ولا بعقل واحد، ولا بجماعة واحدة!
▪️كيف ارتضينا مسخ تاريخنا؟!
إن الكاتب، بشجاعته المعهودة، لا يهرب من التوترات التاريخية، بل يواجهها ليؤكد أن التكامل والتعايش هما القاعدة الذهبية والأصل الثابت، وأن التنوع كان دائماً ينبوع القوة ومفجر الإبداع.
لذلك، فإن الحديث عن "المسيحيين العرب" ليس منّةً ولا تفضلاً، وليس حديثاً عن "أقلية" تبحث عن صك غفران أو صك أمان؛ بل هو حديث عن مكون جيني، أصيل، وبُنيوي في تشكيل الهوية العربية ذاتها.
اللغة التي نحبر بها مقالاتنا، والمنارات الصحفية التي نستقي منها معارفنا، ومفاهيم المواطنة والحرية والنهضة التي نناضل من أجلها اليوم.. كلها قلاع شيدت عقول مسيحية عربية أسوارها بوضوح وتأثير جبار.
▪️الجريمة الفكرية.. ولماذا تراجعوا؟
السؤال الحارق الذي يثقب وعينا المعاصر ويستفز كبرياءنا الثقافي ليس: هل كان لهم دور؟ بل: كيف ارتضينا لأنفسنا أن نمحو نصف تاريخنا؟! ولماذا تراجع حضور هذا الدور الجوهري في عقول أجيالنا المعاصرة؟!
إنها الجريمة الفكرية المكتملة الأركان! لقد سمحنا لأنفسنا أن نقرأ التاريخ بعيون طائفية عوراء وبأجندات الهوية الضيقة، بدلاً من أن نقرأه بعين الحضارة الشاملة والآفاق الإنسانية الرحبة. إن بتر الذاكرة التاريخية هو بمثابة انتحار حضاري معلن.
بعد قراءتي المتعمقة لجهد عماد توماس وتلك اللوحة الفكرية المتكاملة التي أشرف عليها د. عماد أبو غازي ود. محمد عفيفي، أيقنت أن استعادة هذه الفصول المنسية ليست مجرد ترف ثقافي نتلذذ به في الصالونات الأدبية، بل هي معركة وجودية وضرورة فكرية قصوى لترميم مفهوم المواطنة الحقة قبل أن ينهار السقف فوق رؤوس الجميع.
إن الأمة التي تختزل تاريخها وتبتر ذاكرتها، تحكم بالموت الزؤام على مستقبلها!
الحضارة كانت وستبقى مشروعاً مشتركاً، ومن يملك الشجاعة والإنصاف لقراءتها بتجرد، سيرى لوحة مرصعة بكل ألوان الطيف البهية.. لا شظايا مشوهة ورمادية!
#ناصر_الحروب #المسيحيون_العرب #المواطنة #فكر_وتنوير #التاريخ_العربي #الهوية_الجامعة
0 تعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة بعد.
أضف تعليق